محمد بن محمد ابو شهبة

17

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وفي الحق أن المحدثين في باب التحليل ، والتعليق ، والموازنة بين المواقف قد أربوا في ذلك على المتقدمين ، وأكسبوا السيرة جدّة ورواء ، وقد تفاوتوا في ذلك على حسب تفاوتهم في المواهب ، وسعة العلم والأفق ، والاطلاع على سير الآخرين . 6 - النبوة شيء ، والعبقرية شيء اخر . وقد حرصت حينما فكرت في عنوان لهذا الكتاب ألاأتكلّف ، فسميته « بالسيرة » « 1 » ، وهو اللفظ الذي اختاره قدماء المؤلفين في السير ، وقدماء الفقهاء حتى صار عرفا إذا ذكر اسم السيرة ألاينصرف إلا إلى سيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو سير أصحابه الكرام رضوان اللّه عليهم . وقد أضفت « في ضوء القران والسنّة » لأن طبيعة البحث والمنحى تقتضي ذلك ، ولم أرتض أن أجعل العنوان « العبقرية » « 2 » وكذلك حرصت حينما كتبت في هذه السيرة ، وحلّلت المواقف ، وعلّقت عليها على ألاأصف النبي بالعبقرية ، كما صنع مؤلفو « العبقريات » أو الزعامة السياسية ، أو القيادة الحربية كما صنع الذين ألّفوا في الزعامات والقيادات ، أو أعدّ النبي بطلا فحسب كما صنع « كارليل » في كتابه « الأبطال » أو « رسول الحرية » ، كما فعل بعض الكاتبين ، إلى غير ذلك مما افتنّ فيه المؤلفون ؛ لأني أؤمن عن يقين وعلم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم فوق هؤلاء جميعا ، إنه النبي والرسول ، وكفى ! !

--> ( 1 ) قال في المصباح المنير : « والسيرة : الطريقة ، وسار في الناس سيرة حسنة أو قبيحة . والجمع سير مثل سدرة وسدر ، وغلب اسم السير في ألسنة الفقهاء ، على المغازي ، والسيرة أيضا ، الهيئة والحالة » . ( 2 ) العبقرية نسبة إلى عبقر ، أرض تزعم العرب أنها تسكنها الجن ، ضرب بها العرب المثل لكل شيء عجيب عظيم ، وقيل : قرية تصنع بها الثياب والبسط الفاخرة ، فنسبوا إليها كل أمر عجيب ، وكل شيء فاخر . وفي الكتاب الكريم : مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ، وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ جيد البسط وفاخرها ، ويطلق العبقري أيضا على سيد القوم ، وقيمهم ، وأعقلهم .